محمد بن جعفر الكتاني
394
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
ونحوه : قول بعض المتأخرين من الشرفاء القادريين - أيضا - في تأليف له في مناقب مولاي عبد اللّه الشريف الوازاني : « لم يصح استمرار طول مكث نعليه صلّى اللّه عليه وسلم إلى الآن بعد المائتين وألف ؛ لأن الدنيا وجميع ما فيها يفنى إلا أشياء استثنوها من ذلك ، وقد سألت عن ذلك أهل حرفة الدباغة ؛ فقالوا لي : إن كانتا من الجلد النيء غير المدبوغ ؛ فإنه يسوس . وإن كانتا من الجلد السبتي المدبوغ الذي ليس فيه شعر ؛ فإنه يكرف وييبس ويتمزق . وإن كانتا من الجلد الإفرنجي العنان ؛ فإنه يكرف ويتمزق أيضا . ولا أثر لبقاء وجودهما إلى الآن ومن ادعى شيئا من ذلك ؛ فلا يصدقه العرف في دعواه » . ه . قلت : وفي هذا الذي ذكره نظر : أما أولا : فقد تقدم أنه شهد لهم بأنها نعل المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم أئمة علماء ، ويبعد كل البعد أن يشهدوا على غير يقين أو ظن قريب من اليقين . وأما ثانيا : فإن ما استدلا به على فنائهما لا ينهض ؛ لأن اللّه تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ، ولا يبعد أن ينسحب ذلك أيضا على بعض ما حل بأجسادهم الكريمة من النعال وشبهها ، معجزة لهم ، وقد وقع لمولانا إدريس الأكبر دفين زرهون ، أنه ظهر جسده الشريف بكفنه عام ثمانية عشر وسبعمائة ، ولم تعد الأرض على شيء من الجسد ، ولا من الكفن المصاحب له ، وكان بين وفاته وظهور جسده على الحالة المذكورة : خمسمائة سنة وإحدى وأربعون سنة وثمانية أشهر . وأما ثالثا : فإن الجلد إذا كان محفوظا مصونا من الماء والشمس ونحوهما ؛ لا يسرع إليه البلى بالكلية ، ولا يبعد بقاؤه هذه المدة وأزيد منها ، وقد رأينا من الكتب المكتوبة ماله نحو من سبعمائة سنة مع كون كتابته في أوراق من الكاغد ، ويحل بأيدي كثير من الناس ؛ وتطرأ عليه أنواع من التغيرات كثيرة فكيف بجلد البقر أو الإبل الغليظ المصون عن الأيدي والتغيرات ؟ ! . وعدم ذكر المقري وغيره لهذه النعل لا ينفيها ؛ إذ لم يستوعب ذكر النعل التي مشى بها عليه الصلاة والسلام في عمره ، وإنما ذكروا منها ما حصلت لهم به رواية أو نقل لهم فيه أثر ، وما بقي أكثر . مما [ 346 ] ذكروا بكثير . وقد عد جماعة من الأئمة - وهم علماء صلحاء - رؤيتهم لهذه النعل التي بيد هؤلاء الشرفاء من أعظم نعم اللّه تعالى عليهم ، وتبركوا بها ، وشاهدوا بركتها . ووجدوها ، وأي دليل أقوى من هذا ؟ ! ، فلا يعدل عنه إلى التجويزات العقلية التي لا مستند لها إلا الوقوف مع العادة إن سلمت . الثاني : ما زال الناس يتبركون بمثل النعل والقلنسوة والعكازة والسبحة . . . ونحوها ، ممن ترجى بركته ؛ فأحرى بمرات عديدة ما كان من سيد الأولين الآخرين صلّى اللّه عليه وسلم ، وما زالت حوائجه وآثاره عليه السلام بيد الصحابة فمن بعدهم على وجه الحفظ والأمانة والتبرك بها ، لا على سبيل الميراث وذلك معلوم عند من طالع السير والتواريخ .